JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

الصفحة الرئيسية

ماري كوري




في مدينة وارسو، عاصمة بولندا التي كانت آنذاك تئن تحت وطأة الاحتلال الروسي، وُلدت في الخامس عشر من نوفمبر عام ألف وثمانمئة وسبعة وستين طفلة حملت اسم ماريا سكودوفسكا، لم يكن أحد يتخيل أن هذه الصبية الصغيرة ستصبح يوماً واحدة من أعظم العلماء في تاريخ البشرية، وأول امرأة تفوز بجائزة نوبل، وأول إنسان على الإطلاق يفوز بها مرتين في مجالين علميين مختلفين. نشأت ماريا في بيت يقدّس العلم والمعرفة، فوالدها كان معلماً للفيزياء والرياضيات، ووالدتها كانت مديرة إحدى المدارس، غير أن القدر لم يكن رحيماً بها في طفولتها، إذ فقدت شقيقتها الكبرى وبعدها والدتها بمرض السل وهي لم تتجاوز العاشرة من عمرها بعد، وهو ما ترك في نفسها جرحاً عميقاً رافقها طويلاً، ودفعها في الوقت ذاته إلى نوع من الانضباط الصارم والانغماس في الدراسة كملاذ من الألم.

كانت بولندا في تلك الحقبة تعيش تحت قبضة الإمبراطورية الروسية التي فرضت سياسات تضييق صارمة على التعليم، ومنعت النساء بشكل خاص من الالتحاق بالجامعات، فاضطرت ماريا وشقيقتها برونيا إلى الالتحاق بما عُرف بـ"الجامعة الطائرة"، وهي شبكة سرية من الفصول الدراسية غير الرسمية كانت تُعقد في منازل متفرقة تفادياً لأعين السلطات، وهناك تلقت ماريا أولى دروسها في العلوم بعيداً عن الأطر الرسمية. وحين أدركت الفتاتان استحالة استكمال تعليمهما الجامعي في وطنهما، عقدتا اتفاقاً يعكس عمق الرابطة الأسرية بينهما، إذ عملت ماريا كمربية لسنوات طويلة لتموّل دراسة أختها الكبرى في الطب بباريس، على أن تعينها برونيا لاحقاً حين يحين دورها.

وبالفعل، وفت برونيا بوعدها، فانتقلت ماريا في عام ألف وثمانمئة وواحد وتسعين إلى باريس، والتحقت بجامعة السوربون العريقة، حيث غيّرت اسمها إلى الصيغة الفرنسية "ماري"، وعاشت في تلك الفترة حياة بالغة التقشف والفقر، في غرفة صغيرة باردة لا تكاد تتسع لسرير ومكتب، تقتات على الخبز والشاي أحياناً كي توفّر ثمن الكتب والمعدات، لكنها كانت في أشد لحظات فقرها الأكثر إصراراً وتفانياً في طلب العلم، فتخرجت في الفيزياء بترتيب الأولى على دفعتها، ثم أكملت شهادة أخرى في الرياضيات بترتيب الثانية، في إنجاز استثنائي لامرأة أوروبية في ذلك العصر الذي كانت فيه الأوساط الأكاديمية حكراً شبه كامل على الرجال.

وفي باريس أيضاً التقت بيير كوري، الفيزيائي الفرنسي الذي كان يعمل على دراسة البلورات والمغناطيسية، وقد جمعهما شغف مشترك بالعلم قبل أن يتطور إلى شراكة حياة كاملة، فتزوجا في عام ألف وثمانمئة وخمسة وتسعين في حفل بسيط للغاية لم يتضمن حتى خاتم زفاف تقليدي، بل ارتدت ماري فيه فستاناً عملياً داكن اللون طلبت أن يكون مناسباً لارتدائه لاحقاً في المختبر. لم يكن هذا الزواج مجرد ارتباط عاطفي، بل تحالفاً فكرياً نادراً بين عقلين متكافئين، إذ شاركها بيير اهتماماتها البحثية بعمق، وأصبح شريكها في أهم اكتشافاتها العلمية اللاحقة. والجدير بالذكر أن بيير كان قبل زواجه قد طوّر مع شقيقه جاك جهازاً بالغ الحساسية يُعرف بالكهرباء الكهروستاتيكية الكوارتزية، وهو جهاز سيصبح لاحقاً أداة أساسية لا غنى عنها في قياس الإشعاع الضعيف المنبعث من العينات التي كانت ماري تدرسها، مما يكشف كيف أن تخصصات الزوجين المختلفة التقت في لحظة تاريخية لتصنع معاً أدوات علمية غيّرت مسار الفيزياء الحديثة.

بدأت ماري رحلتها البحثية الكبرى حين اختارت موضوعاً لأطروحة الدكتوراه لم يكن قد استُكشف من قبل بشكل منهجي، وهو الأشعة الغريبة التي لاحظها الفيزيائي هنري بيكريل تنبعث من مركّب اليورانيوم. لاحظت ماري أن هذه الأشعة لا تتأثر بالحالة الكيميائية أو الفيزيائية للمادة، بل هي خاصية ذرية بحتة، وأطلقت على هذه الظاهرة اسماً جديداً صار فيما بعد مصطلحاً علمياً راسخاً، وهو "النشاط الإشعاعي". لم تكتفِ ماري بهذا الاستنتاج النظري، بل شرعت مع بيير في تحليل خام اليورانيوم المعروف باسم "البتشبلند"، ولاحظا أن إشعاعه أقوى بكثير مما يمكن أن ينتج عن محتواه من اليورانيوم وحده، مما قادهما إلى استنتاج جريء بوجود عناصر أخرى غير مكتشفة بعد أشد إشعاعاً منه بكثير.

كان العمل الذي قام به الزوجان كوري لاستخلاص هذه العناصر المجهولة عملاً شاقاً يفوق الوصف، إذ عملا في كوخ متهالك سابق كان يُستخدم كمشرحة طبية، بلا تدفئة كافية في الشتاء، وبلا تهوية مناسبة في الصيف، وقاما يدوياً بمعالجة أطنان من خام البتشبلند، غلياً وتصفية وتبلوراً، في عملية استمرت سنوات طويلة من الجهد الجسدي المضني، إلى أن نجحا في عام ألف وثمانمئة وثمانية وتسعين في عزل عنصرين جديدين كلياً، أطلقت ماري على أولهما اسم "البولونيوم" تكريماً لوطنها بولندا الذي كان لا يزال محتلاً ومحذوفاً من خرائط أوروبا الرسمية، وأطلقا على الثاني اسم "الراديوم" لشدة إشعاعه. لم يكن هذا الإنجاز مجرد اكتشاف عنصرين كيميائيين، بل كان تأسيساً لعلم جديد كلياً غيّر فهم البشرية لبنية المادة نفسها.

وفي عام ألف وتسعمئة وثلاثة، منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل في الفيزياء لبيير وماري كوري، بالاشتراك مع هنري بيكريل، تقديراً لأبحاثهم في الإشعاع، وقد كانت اللجنة في بداية الأمر تنوي استبعاد اسم ماري من الترشيح والاكتفاء بذكر بيير وبيكريل، إلا أن أحد أعضاء اللجنة السويدية المتعاطفين مع قضايا الإنصاف العلمي نبّه بيير إلى هذا الإغفال، فأصرّ بيير بشكل قاطع على أن يُدرج اسم زوجته، مؤكداً أن الفضل في الاكتشاف يعود إليها بقدر ما يعود إليه إن لم يكن أكثر. وهكذا أصبحت ماري كوري أول امرأة في التاريخ تفوز بجائزة نوبل على الإطلاق، في سابقة هزّت الأوساط العلمية المحافظة في ذلك الزمن.

غير أن الفرح بهذا الإنجاز لم يدم طويلاً في حياة ماري، إذ في عام ألف وتسعمئة وستة، وبينما كان بيير يعبر أحد شوارع باريس المزدحمة تحت أمطار غزيرة، انزلق وسقط تحت عجلات عربة تجرها الخيول، فلقي حتفه على الفور في حادث مفاجئ صادم. كانت هذه الفاجعة ضربة قاسية لماري، لا على المستوى العاطفي فحسب، بل على مستوى شراكتها العلمية بأكملها، إذ فقدت في لحظة واحدة زوجها وشريكها الفكري الأقرب. ومع ذلك، وبدلاً من أن تنكسر تحت وطأة هذا الفقد، اتخذت ماري قراراً استثنائياً بأن تخلف زوجها في منصبه التدريسي في جامعة السوربون، لتصبح بذلك أول امرأة تتولى التدريس في تاريخ تلك الجامعة العريقة منذ تأسيسها في القرون الوسطى، في خطوة رمزية حملت دلالات بالغة الأهمية لحضور المرأة في المؤسسات الأكاديمية.

واصلت ماري كوري بعد ذلك أبحاثها بمفردها بعزيمة لم تلن، وتمكنت من عزل عنصر الراديوم النقي وتحديد وزنه الذري بدقة متناهية، وهو إنجاز علمي مستقل هائل توّج بحصولها في عام ألف وتسعمئة وأحد عشر على جائزة نوبل الثانية، هذه المرة في مجال الكيمياء، لتصبح بذلك الشخص الأول في تاريخ البشرية الذي يفوز بجائزة نوبل مرتين، وفي مجالين علميين مختلفين تماماً، وهو رقم قياسي لم يتكرر إلا نادراً جداً في القرن الذي تلاه. ومما يستحق الذكر أن هذا الفوز الثاني جاء في خضم حملة إعلامية فرنسية مسيئة استهدفتها بسبب علاقة عاطفية جمعتها بعد وفاة بيير بالفيزيائي بول لانجفان، وقد حاولت بعض الأوساط المحافظة استغلال تلك الحملة للتشكيك في أهليتها لنيل الجائزة، إلا أن اللجنة السويدية أصرّت على فصل إنجازها العلمي عن حياتها الشخصية، ومنحتها الجائزة كاملة غير منقوصة.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام ألف وتسعمئة وأربعة عشر، لم تكتفِ ماري كوري بالبقاء في برجها الأكاديمي، بل سخّرت معرفتها العلمية بشكل عملي مباشر لخدمة الجرحى في ساحات القتال، إذ أدركت أن تقنية الأشعة السينية التي اكتُشفت قبل سنوات قليلة يمكن أن تساعد الجراحين الميدانيين على تحديد مواقع الشظايا والرصاصات داخل أجساد الجرحى بدقة قبل إجراء العمليات. فطوّرت وحدات أشعة سينية متنقلة رُكّبت داخل سيارات مجهزة خصيصاً، عُرفت باسم "السيارات الصغيرة" أو بالفرنسية "البيتي كوري"، وتعلّمت بنفسها قيادة هذه السيارات وتشغيل معداتها، بل وقامت بتدريب أكثر من مئة وخمسين امرأة على استخدام هذه التقنية، وأشرفت شخصياً مع ابنتها إيرين على تشغيل هذه الوحدات في الخطوط الأمامية، في مبادرة أنقذت حياة عشرات الآلاف من الجنود الجرحى خلال سنوات الحرب.

لم تكن ماري كوري عالمة منعزلة عن قضايا عصرها، بل كانت أيضاً أماً حرصت على غرس حب العلم في ابنتيها، وقد أثمر هذا الحرص أثراً بالغ الأهمية حين واصلت ابنتها الكبرى إيرين مسيرة والدتها العلمية، وفازت هي الأخرى مع زوجها فريديريك جوليو بجائزة نوبل في الكيمياء عام ألف وتسعمئة وخمسة وثلاثين، لتصبح عائلة كوري بذلك الأسرة الأكثر تتويجاً بجوائز نوبل في التاريخ، بواقع خمس جوائز موزعة بين أفرادها. أما ابنتها الأخرى، إيف، فقد اختارت مساراً مختلفاً تماماً بعيداً عن المختبرات، إذ عملت في الصحافة والموسيقى، وكتبت لاحقاً سيرة مؤثرة عن حياة والدتها.

قضت ماري كوري السنوات الأخيرة من حياتها في مواصلة العمل البحثي وتأسيس معهد الراديوم في باريس، الذي تحوّل إلى أحد أهم مراكز أبحاث السرطان في العالم فيما بعد، وحرصت خلال تلك السنوات على السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في مناسبتين، حيث استُقبلت استقبالاً حافلاً، وتمكنت بفضل حملة تبرعات نظمتها صحفية أمريكية من الحصول على غرام كامل من عنصر الراديوم النقي هدية لمواصلة أبحاثها، نظراً لتكلفته الباهظة التي كانت تفوق إمكانات معهدها الفرنسي المتواضع في ذلك الوقت. غير أن سنوات التعرض المستمر للمواد المشعة، في زمن لم تكن فيه المخاطر الصحية لهذا الإشعاع مفهومة بعد بشكل كافٍ، تركت أثراً بالغاً على صحتها، فقد كانت تحمل أنابيب اختبار الراديوم في جيوب معطفها دون أي وسيلة حماية، وتحتفظ بها في أدراج مكتبها، وكانت دفاترها البحثية نفسها لا تزال حتى يومنا هذا مشعّة إلى درجة تستوجب تخزينها في صناديق خاصة مبطنة بالرصاص، ولا يمكن الاطلاع عليها إلا بعد توقيع إقرار بتحمل المخاطر. وفي الثالث من يوليو عام ألف وتسعمئة وأربعة وثلاثين، توفيت ماري كوري عن عمر ناهز السادسة والستين بمرض فقر الدم اللاتنسجي، وهو مرض في نخاع العظم ارتبط ارتباطاً مباشراً بتعرضها الطويل للإشعاع الذي كرّست حياتها بأكملها لدراسته وفهمه، في مفارقة قاسية تلخص ثمن الريادة العلمية في زمن لم يكن يملك بعد أدوات الحماية الكافية.

تُدفن ماري كوري اليوم إلى جانب زوجها بيير في مقبرة البانتيون بباريس، وهو الضريح الفخم الذي يُخصص لتكريم كبار الشخصيات التي تركت أثراً عظيماً في تاريخ فرنسا، لتصبح بذلك أول امرأة تُدفن فيه تكريماً لإنجازاتها الذاتية، لا بوصفها زوجة لشخصية عظيمة فحسب. ويظل إرثها العلمي حاضراً بقوة حتى اليوم، فوحدة قياس النشاط الإشعاعي "الكوري" سُميت باسم عائلتها، وعنصر "الكوريوم" الكيميائي يحمل اسمها أيضاً، فضلاً عن معهد الراديوم الذي أسسته والذي تطور إلى معهد كوري، أحد أعرق مراكز أبحاث علاج السرطان في العالم إلى يومنا هذا.

ولم يقتصر أثر ماري كوري على الاكتشافات العلمية البحتة، بل امتد إلى إعادة تشكيل صورة المرأة العالمة في الوعي الجمعي العالمي، ففي زمن كانت فيه المرأة تُستبعد بشكل شبه تلقائي من الأوساط الأكاديمية الرفيعة، وكانت تُعامل حتى داخل بعض الدوائر العلمية كمساعدة هامشية لزوجها لا أكثر، فرضت ماري كوري حضورها بقوة الدليل العلمي الدامغ، لا بالمجاملة أو الاستثناء، فحين تقدمت لعضوية الأكاديمية الفرنسية للعلوم عام ألف وتسعمئة وأحد عشر، رفضت الأكاديمية طلبها بفارق صوتين فقط، في حادثة كشفت عمق التحيز المؤسسي الذي واجهته رغم إنجازاتها الاستثنائية، ولم تُقبل امرأة في عضوية تلك الأكاديمية إلا بعد عقود طويلة من رحيلها. ومع ذلك، ظلت ماري كوري مصدر إلهام متجدد لأجيال متعاقبة من العالمات حول العالم، ولا تزال جامعات ومختبرات ومنح بحثية عديدة تحمل اسمها تكريماً لمسيرتها، فضلاً عن كونها الوجه الأكثر شهرة حين يُستشهد بأمثلة عن قدرة المرأة على اقتحام الميادين العلمية الأشد صرامة وتحقيق الريادة فيها رغم كل الظروف المعاكسة.

وحين نتأمل مسيرة ماري كوري بمجملها، ندرك أنها لم تكن مجرد امرأة موهوبة حالفها الحظ لتحقق اكتشافات علمية باهرة، بل كانت نموذجاً فريداً للصبر والمثابرة في مواجهة عقبات مركّبة، بدءاً من احتلال وطنها ومنعها من التعليم، مروراً بالفقر المدقع في سنوات شبابها، وصولاً إلى تحيز مؤسسي عميق ضد وجود المرأة في العلوم في مطلع القرن العشرين، وحتى في مواجهة فاجعة شخصية قاسية بفقدان شريك حياتها. لقد أثبتت أن العلم لا يعرف حدوداً جغرافية أو جنسية حين يُتاح له مجال التعبير عن نفسه، وأن الإصرار الهادئ قادر على تغيير مسار العلم البشري بأكمله. وربما يبقى السؤال الأهم الذي تطرحه سيرتها اليوم هو: كم من العقول الاستثنائية ما زالت مطموسة خلف حواجز التمييز والظروف القاسية، بانتظار من يمنحها فرصتها الحقيقية لتغيّر وجه العالم كما فعلت ماري كوري؟

ماري كوري

Yasser Ammar

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    الاسمبريد إلكترونيرسالة