JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

الصفحة الرئيسية

الماهية، الوجود، والعدم


 

منذ فجر التفكير الفلسفي، ظلت ثلاثية "الماهية" و"الوجود" و"العدم" تشكل العمود الفقري لكل تساؤل ميتافيزيقي جاد. حين يقف الإنسان أمام مرآة الكينونة متسائلاً: "ما الذي يجعلني أنا أنا؟"، و"لماذا أوجد أصلاً بدل ألا أوجد؟"، فإنه يضع قدمه على أرض هذه الإشكالية العتيقة التي شغلت أرسطو وابن سينا وتوما الأكويني، ثم عادت لتنفجر من جديد في فلسفة هيدغر وسارتر في القرن العشرين. إن الفرق بين "ما هو الشيء" و"أن الشيء موجود" ليس فرقاً لغوياً عابراً، بل هو صدع أنطولوجي عميق يفصل بين عالم الممكنات وعالم الفعليات، بين ما يمكن تصوره وما يتحقق بالفعل في رحم الواقع.

هذا المقال يحاول أن يتتبع خيوط هذه الإشكالية عبر محطات فلسفية متعددة، بادئاً من التمييز الكلاسيكي بين الماهية والوجود عند الفلاسفة المسلمين، مروراً بتطوره في الفلسفة المدرسية اللاتينية، وصولاً إلى القطيعة الوجودية الحديثة التي قلبت المعادلة رأساً على عقب حين أعلنت أن "الوجود يسبق الماهية". وفي النهاية، سنقف عند سؤال العدم بوصفه الشريك الصامت الذي لا ينفك يطارد كل حديث عن الوجود، ذلك الهاوية التي بدونها لا يكتسب الوجود معناه ولا قيمته.

الماهية: سؤال "ما هو؟"

حين نسأل عن ماهية شيء ما، فإننا نسأل عما يجعله هو ذاته دون سواه، عن مجموعة الخصائص الجوهرية التي لا يمكن أن يفقدها الشيء دون أن يفقد هويته. ماهية الإنسان عند أرسطو هي كونه "حيواناً ناطقاً"، وماهية المثلث هي كونه شكلاً مغلقاً ذا ثلاثة أضلاع وثلاث زوايا. الماهية إذن هي الجواب المنطقي على سؤال "ما هو؟"، وهي تسبق في الترتيب المنطقي أي حديث عن الوجود الفعلي للشيء في الخارج.

لكن الفلاسفة المسلمين، وفي مقدمتهم ابن سينا، أدركوا أن هذا التمييز المنطقي يخفي وراءه سؤالاً أعمق بكثير. فحين نتصور ماهية "العنقاء" أو "فرس البحر ذي الأجنحة"، فإننا نتصور شيئاً له ماهية واضحة ومحددة تماماً، رغم أن هذا الشيء لا وجود له في الخارج على الإطلاق. هذا يعني أن الماهية، من حيث هي هي، لا تستلزم الوجود، وأن هناك فجوة حقيقية بين تصور الشيء وتحققه. هذه الملاحظة البسيطة في ظاهرها ستصبح حجر الأساس لواحدة من أخصب النظريات في تاريخ الفلسفة الإسلامية، وهي نظرية "زيادة الوجود على الماهية".

ابن سينا وثنائية الوجود والماهية

يذهب ابن سينا إلى أن كل ممكن الوجود، أي كل ما عدا الله، تتركب حقيقته من عنصرين متمايزين: ماهية هي "ما به الشيء هو هو"، ووجود هو الحدث الذي يطرأ على هذه الماهية فيخرجها من ظلمة العدم المحض إلى نور التحقق الفعلي. فماهية "الإنسان" واحدة في الذهن سواء وجد إنسان بالفعل أم لم يوجد، لكن حين يوجد زيد أو عمرو بالفعل، فإن الوجود قد "زاد" على تلك الماهية المجردة وأكسبها ثبوتاً خارجياً لم يكن لها من قبل.

هذه النظرية، المعروفة بـ"زيادة الوجود على الماهية" أو "أصالة الماهية" في بعض قراءاتها، لم تكن مجرد لعبة لغوية، بل كانت محاولة جادة للإجابة عن سؤال محوري: لماذا توجد الأشياء الممكنة أصلاً؟ وجواب ابن سينا هو أن الممكن، بما هو ممكن، لا يحمل في ذاته سبب وجوده، فهو بحاجة دائماً إلى علة خارجية تمنحه الوجود، وتنتهي سلسلة هذه العلل بالضرورة إلى موجود واجب الوجود بذاته، لا تنفك ماهيته عن وجوده، وهو الله. فالله وحده هو الذي "وجوده عين ماهيته"، أما كل ما سواه فوجوده زائد على ماهيته، عارض عليها من الخارج.

هذا التمييز انتقل إلى الفلسفة اللاتينية عبر ترجمات ابن سينا، وتبناه توما الأكويني بصياغة مشابهة، حيث ميز بين "essentia" (الماهية) و"esse" (فعل الوجود)، مؤكداً أن هذا التمايز هو علامة المخلوقية ذاتها، في مقابل الله الذي هو الوجود المحض بلا ماهية تحده أو تقيده.

نقد الملا صدرا: أصالة الوجود

لكن هذا البناء المحكم لم يسلم من النقد داخل الفلسفة الإسلامية نفسها. فقد جاء صدر الدين الشيرازي، الملا صدرا، في القرن السابع عشر ليقلب المعادلة السينوية رأساً على عقب عبر نظريته الشهيرة "أصالة الوجود واعتبارية الماهية". يرى صدرا أن الوجود هو الحقيقة الأصيلة الوحيدة في الكون، وأن الماهيات ليست إلا حدوداً وأطراً ذهنية ننتزعها من مراتب الوجود المتفاوتة في الشدة والضعف. فالوجود عند صدرا حقيقة واحدة مشككة، تتدرج من أضعف مراتبها في الجماد إلى أقواها في الواجب تعالى، وما الماهيات إلا ظلال وحدود يفرضها العقل على هذا التدرج الوجودي حين يحاول تصنيفه وتقسيمه.

هذا الانقلاب له تبعات هائلة: فبدل أن يكون الوجود عارضاً يطرأ على ماهية سابقة عليه منطقياً، يصبح الوجود هو الأصل والمنبع، وتصبح الماهية مجرد "عرض" ذهني، أثراً جانبياً لتجلي الوجود في مرتبة معينة. وبهذا يقترب صدرا، من زاوية ميتافيزيقية مختلفة تماماً، من الروح التي ستحملها الفلسفة الوجودية الأوروبية بعد قرون، حين ستعلن أن الوجود هو الأولوية المطلقة، وأن الماهية إنما تُصنع وتُبنى انطلاقاً من فعل الوجود ذاته، لا العكس.

سارتر: الوجود يسبق الماهية

في القرن العشرين، وتحديداً في محاضرته الشهيرة "الوجودية مذهب إنساني"، صاغ جان بول سارتر عبارته المدوية: "الوجود يسبق الماهية". لكن سياق هذه العبارة عند سارتر مختلف تماماً عن السياق الميتافيزيقي الصدرائي أو السينوي؛ فسارتر لا يتحدث عن بنية الموجودات كلها، بل يخص الإنسان تحديداً بهذا القانون. فحين يصنع الحرفي سكيناً، تسبق فكرة السكين ووظيفته في ذهنه فعل الصنع ذاته: أي أن ماهية السكين "قاطع يقطع" سابقة على وجوده الفعلي. لكن الإنسان، كما يرى سارتر، مختلف جذرياً: فهو يوجد أولاً، يُقذف في العالم دون سابق تصميم أو غاية محددة له سلفاً، ثم بعد ذلك، وعبر اختياراته وأفعاله الحرة، يصنع ماهيته بنفسه.

هذه العبارة تحمل في طياتها رفضاً صريحاً لكل تصور "جوهراني" لطبيعة إنسانية ثابتة سابقة على الوجود الفردي. فلا يوجد "جوهر إنساني" مُعطى مسبقاً يحدد لنا كيف يجب أن نكون، بل نحن، في كل لحظة، ننحت ماهيتنا عبر اختياراتنا. هذا يضع على عاتق الإنسان مسؤولية هائلة، يسميها سارتر "الحكم على الحرية بالإعدام"، إذ لا يمكنه أن يتذرع بطبيعة ثابتة أو قدر مكتوب ليبرر أفعاله، فهو المسؤول الوحيد عما يصنعه من نفسه. وهنا يلتقي سارتر، من بوابة مختلفة تماماً عن بوابة الميتافيزيقا الكلاسيكية، بجوهر السؤال ذاته: هل الوجود سابق للماهية أم أن الماهية هي التي تحدد إمكانية الوجود؟

هيدغر والسؤال عن معنى الوجود

قبل سارتر بعقد ونيف، كان مارتن هيدغر قد طرح في كتابه "الوجود والزمان" سؤالاً يعتبره أهم سؤال أهملته الفلسفة الغربية منذ أفلاطون: ما معنى الوجود ذاته؟ يرى هيدغر أن الفلسفة الغربية انشغلت دوماً بدراسة "الموجودات" (الأشياء التي توجد) لكنها نست أن تسأل عن "الوجود" نفسه بوصفه أفقاً يجعل ظهور أي موجود ممكناً من الأساس. ولكي يقارب هذا السؤال، يبدأ هيدغر من تحليل وجود خاص جداً هو وجود الإنسان، الذي يسميه "الدازاين" (Dasein) أي "الوجود-هناك"، لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يطرح سؤال الوجود على نفسه، والوحيد الذي وجوده مسألة بالنسبة له.

من خصائص الدازاين الجوهرية عند هيدغر أنه "وجود-من-أجل-الموت"، أي أن إدراك الإنسان لحتمية فنائه هو ما يمنح وجوده أصالته وجديته، إذ يكشف له أن الزمن محدود وأن عليه أن يختار كيف يعيش بدل أن يذوب في ضجيج الحياة اليومية العابرة وثرثرة الجماهير. وهنا يبرز العدم مجدداً، لا كمجرد سلب منطقي للوجود، بل كتجربة وجودية حية يعيشها الإنسان في لحظات القلق (Angst)، حين ينكشف له العالم بأسره فجأة على أنه بلا سند ولا ضرورة، وحين يواجه احتمال ألا يكون هو أو أي شيء آخر موجوداً على الإطلاق.

العدم: الحافة التي لا مفر منها

لا يمكن الحديث عن الوجود دون أن يطل شبح العدم من خلفه. فالعدم ليس مجرد غياب بسيط أو نقيض منطقي للوجود، بل هو، كما رأى هيغل، مفهوم يدخل في جدل حي مع الوجود نفسه: فالوجود المحض المجرد من كل تعين، حين نحاول التفكير فيه بلا أي صفة أو حد، يصبح مطابقاً تماماً للعدم، إذ لا فرق حينها بين "أن يكون الشيء موجوداً بلا أي تعيّن" وبين "ألا يكون موجوداً على الإطلاق". ومن هذا التوتر الجدلي بين الوجود المجرد والعدم المطلق، ينبثق عند هيغل مفهوم "الصيرورة"، أي الحركة الدائمة التي تجعل الموجودات تتعين وتتحدد بالفعل.

أما عند هيدغر، فالعدم ليس مجرد لعبة منطقية جدلية، بل تجربة معاشة تنكشف في القلق الوجودي، حيث يشعر الإنسان أن "لا شيء" من الموجودات المألوفة حوله يمنحه سنداً أو معنى، فينكشف له الوجود بأسره كهبة غامضة وغير مبررة. ومن هنا يأتي سؤال هيدغر الشهير المستوحى من لايبنتز: "لماذا يوجد الموجود أصلاً، بدلاً من ألا يكون هناك شيء؟" وهو سؤال يظل، رغم كل محاولات الإجابة عنه عبر تاريخ الفلسفة، معلقاً على حافة الدهشة الأصلية التي منها انبثق التفكير الفلسفي بأسره.

خاتمة: بين الثبات والصيرورة

حين نجمع خيوط هذه الرحلة الفلسفية الطويلة، نجد أن العلاقة بين الماهية والوجود والعدم ليست علاقة ثابتة يمكن حسمها بصيغة واحدة نهائية، بل هي مسرح متجدد لصراع فلسفي عميق حول طبيعة الحقيقة ذاتها. فابن سينا يرى الوجود عارضاً يطرأ على ماهية سابقة، وصدرا يقلب الآية فيجعل الوجود هو الأصل والماهية مجرد ظل له، وسارتر ينزع القداسة عن أي ماهية إنسانية ثابتة ليجعل الحرية هي جوهر الإنسان الوحيد، وهيدغر يعيد فتح السؤال من جذوره متسائلاً عن معنى الوجود ذاته قبل الخوض في تفاصيله.

وفي كل هذه المحطات، يبقى العدم حاضراً كخلفية صامتة لا يمكن للفكر أن يتجاهلها، فهو الأفق الذي يمنح الوجود قيمته وجديته، والهاوية التي بدونها يفقد سؤال "لماذا نوجد؟" كل معناه. ولعل أعمق ما تعلمنا إياه هذه الرحلة الفلسفية الطويلة هو أن الإنسان، وهو الكائن الوحيد الذي يسأل عن ماهيته ووجوده وعدمه في آن واحد، إنما يحمل في هذا السؤال ذاته أسمى ما يميزه عن سائر الموجودات: قدرته على أن يقف حائراً أمام سر كينونته، وأن يجعل من هذه الحيرة ذاتها طريقاً نحو معنى أعمق لوجوده القلق والمحدود.

الماهية، الوجود، والعدم

Yasser Ammar

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    الاسمبريد إلكترونيرسالة